مدينة غزة: هل يكون الهجوم الأخير الذي يغير مسار الحرب؟
ترجمة – نبض الشام
بينما تواصل إسرائيل هجومها العنيف على مدينة غزة باعتبارها آخر معاقل حماس الحضرية، تتفاقم تكاليف الحرب على طرفي الصراع وتتسع تداعياتها عالمياً. فالهجوم، الذي تصفه حكومة نتنياهو بـ”المرحلة الحرجة”، يعكس رؤية جديدة تسعى إلى النصر الكامل بدلاً من التسويات المؤقتة، لكنه يثير عزلة غير مسبوقة لإسرائيل ويعيد تشكيل الرأي العام الدولي والأمريكي. وفي ظل هذا المشهد، يتساءل المراقبون: هل ينهي هذا الهجوم فعلاً الحرب أم يفتح فصلاً جديداً من الأزمات؟
مدينة غزة آخر المعاقل
تقول القيادة الإسرائيلية إن مدينة غزة تمثل آخر معاقل حماس الحضرية، وإن العملية الجارية للسيطرة عليها قد تكون حاسمة. ويؤكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن بلاده في “مرحلة حرجة” من القتال، لكن سوابق رفح، التي وُصفت العام الماضي بالمعقل الأخير لحماس، تظهر أن الحركة لا تزال صامدة.
تكاليف الحرب المتصاعدة
ومع ذلك، يأمل الإسرائيليون أن تكون هذه المرة مختلفة، نظراً للتكاليف الهائلة التي تتراكم بوتيرة مذهلة على إسرائيل والفلسطينيين معاً. فقد أودت الحرب بحياة عدد كبير من الضحايا وخلفت جيلاً مثقلاً بآثارها، بدءاً من ضحايا هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023 وصولاً إلى عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قتلوا أو أصيبوا جراء الرد الإسرائيلي في غزة.
انعكاسات عالمية وعزلة إسرائيلية
ارتدادات الصراع تخطت حدود المنطقة؛ إذ كشفت استطلاعات مركز بيو للأبحاث في يونيو أن أيّاً من 24 دولة كبرى لم تُبدِ أغلبية نظرة إيجابية تجاه إسرائيل. وفي الولايات المتحدة تحديداً، بات أكثر من نصف البالغين يحملون رأياً سلبياً، بينما يزداد الانتقاد حتى بين شباب الحزب الجمهوري.
نصر كامل أم سلام مؤقت؟
هذا الوضع أشاع إحباطاً واسعاً في الداخل الإسرائيلي؛ حيث يرى كثيرون أن العزلة الدولية نتاج معاداة السامية العالمية، وهو ما عزز إحساسهم بالحصار وصلابتهم في الوقت نفسه. ورغم افتخار الإسرائيليين تاريخياً بصلابتهم في منطقة صعبة، كانوا يدركون أن أعداءهم لا يمكن هزيمتهم بالكامل بل إخضاعهم مؤقتاً، وكان السلام بالنسبة لهم فترة لالتقاط الأنفاس والاستعداد للحرب المقبلة.
لكن النهج الحالي يتجاوز هذا المفهوم؛ إذ تسعى إسرائيل لتحقيق نصر كامل في غزة، مدفوعةً بتجارب سابقة كتصفية حزب الله في لبنان، وانهيار نظام الأسد في سوريا، والهزائم التي لحقت بإيران، ما عزز قناعة بضرورة اجتثاث حماس بالكامل. غير أن هذه الرؤية القصوى تظل حتى الآن عصية على التحقق.
تغيّر في المجتمع الأمريكي
في الأثناء، يشهد المجتمع الأمريكي تغيرات سلبية حيال الحرب. فقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت عن صدمته من تزايد معاداة السامية وربطها بالتصورات العامة للصراع في غزة، في حين تعكس المنصات الرقمية، مثل X، حدة النقاشات والخطابات المتطرفة.
اقتصاد في مواجهة الاكتفاء الذاتي
وأقر نتنياهو في مؤتمر بوزارة المالية في القدس بتزايد عزلة إسرائيل، مشيراً إلى ضرورة التكيف مع اقتصاد ذي خصائص اكتفائية ذاتية في ظل العقوبات الأوروبية المتصاعدة. إلا أن كلفة الحرب تتجاوز المال، وسداد ثمنها قد يتحول إلى مشروع يمتد لجيل كامل.
تعكس عملية مدينة غزة تحوّلاً في العقيدة الإسرائيلية من التسويات المرحلية إلى السعي وراء النصر الكامل، لكنها في المقابل تكشف عزلة غير مسبوقة وتكاليف بشرية ومادية هائلة. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبقى السؤال: هل ستقود هذه الاستراتيجية إلى إنهاء الحرب فعلاً أم إلى تكريس أزمة ممتدة تؤثر على أجيال قادمة؟




